الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

258

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولا ندري مقدار صحة هاذين الشاهدين من العربية على أنه قد يكونان من ضرورة الشعر . وقيل : إذا كان الاسم غير حقيقي التأنيث جاز إجراء وصفه على التذكير فلا تلحقه هاء التأنيث قياسا على الفعل المسند للمؤنث غير حقيقي التأنيث في جواز اقترانه بتاء التأنيث وتجريده منها ، إجراء للوصف مجرى الفعل وهو وجيه . ولعل العدول في الآية عن الاستعمال الشائع في الكلام الفصيح في إجراء السماء على التأنيث ، إلى التذكير إيثارا لتخفيف الوصف لأنه لما جيء به بصيغة منفعل بحرفي زيادة وهما الميم والنون كانت الكلمة معرضة للثقل إذا ألحق بها حرف زائد آخر ثالث ، وهو هاء التأنيث فيحصل فيها ثقل يجنّبه الكلام البالغ غاية الفصاحة ألا ترى أنها لم تجر على التذكير في قوله : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [ الانفطار : 1 ] إذ ليس في الفعل إلّا حرف مزيد واحد وهو النون إذ لا اعتداد بهمزة الوصل لأنها ساقطة في حالة الوصل ، فجاءت بعدها تاء التأنيث . وجملة كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا صفة أخرى ل يَوْماً ، وهذا الوصف إدماج للتصريح بتحقيق وقوع ذلك اليوم بعد الإنذار به الذي هو مقتض لوقوعه بطريق الكناية استقصاء في إبلاغ ذلك إلى علمهم وفي قطع معذرتهم . وضمير وَعْدُهُ عائد إلى يَوْماً الموصوف ، وإضافة ( وعد ) إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله على التوسع ، أي الوعد به ، أي بوقوعه . [ 19 ] [ سورة المزمل ( 73 ) : آية 19 ] إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 19 ) تذييل أي تذكرة لمن يتذكر فإن كان من منكري البعث آمن به وإن كان مؤمنا استفاق من بعض الغفلة التي تعرض للمؤمن فاستدرك ما فاته ، وبهذا العموم الشامل لأحوال المتحدث عنهم وأحوال غيرهم كانت الجملة تذييلا . والإشارة ب هذِهِ إلى الآيات المتقدمة من قوله : إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ [ المزمل : 15 ] . وتأكيد الكلام بحرف التأكيد لأن المواجهين به ابتداء هم منكرون كون القرآن تذكرة وهدى فإنهم كذبوا بأنه من عند اللّه ووسموه بالسحر وبالأساطير ، وذلك من أقوالهم التي أرشد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الصبر عليها قال تعالى : وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ [ المزمل : 10 ] .